RSS

الدَّين همٌّ وعلاج

07 يناير

محمد بن عبد الله السحيم

6TYbMyg1dX9H2Yrx102030303000_jpgجلس علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – يوماً متأملاً أشد مخلوقات الله – سبحانه – فقال: ” أشدّ خلق ربك عشرة: الجبال، والحديد ينحت الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تقل السحاب، والإنسان يتقي الريح بيده ويذهب فيها لحاجته، والسكر يغلب الإنسان، والنوم يغلب السكر، والهم يمنع النوم، فأشد خلق ربك الهم ” رواه الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي: رجاله ثقات، فالهمُّ من أشد ما يفتك بصحة المرء ورشده، ولذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستعيذ بالله منه دوماً، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: ”كنت أخدم النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا نزل فكنت أسمعه كثيراً يقول: ” اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وقهر الرجال “، والهموم تتنوع وتختلف، ومن أشد الهموم وطأة على المرء همُّ الدين، فمن الأمثلة السائرة عند العرب في ذلك قولهم:
لا همَّ إلا همُّ الدين، وقولهم: الدَّينَ ولو درهم ( أي: احذر )، وكان يقال: الَّدين ينقص من الدِّين والحسب، ويقال: الدَّين همٌّ بالليل ومذلة بالنهار، ويقال: إياكم والدَّين فإن أوله همّ وآخره حرب، ويقال: الدَّين رق، فليختر أحدكم أين يضع رقه، وكان يقال: الأذلة أربعة: النمام والكذاب والفقير والمديان، ويقال: حرية المسلم كرامته، وذله دينه، وعذابه سوء خلقه، وقال عمر بن عبد العزيز: الدَّين وقر طالما حمله الكرام، وبث أحدهم معاناته مع الدَّيْن شعراً فقال:

ألا ليت النهار يعود يومــــاً * فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج ما نطيق لها قضاءً * ولا دفعاً وروعاتُ الغريم

إن الإسلام قد شدد في مسألة الدين تشديداً يحمل المرء على عدم الاقتراب منه إلا عند الضرورة القصوى ؛ إذ الدين مانع من مغفرة الذنب وإن كانت الخاتمة شهادة في سبيل الله، ففي صحيح مسلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام في أصحابه فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قُتلت في سبيل الله تُكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله: ” نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ”، ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: ” كيف قلت ؟ ”، قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله: ” نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك ”، بل ذلك من أعظم الذنوب بعد الكبائر، يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم –: ” إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاءً ” رواه أحمد وأبو داود وسكت عنه، والدَّين مما قد يعاقب عليه في القبر فعن جابر بن عبد الله قال: توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ثم أتينا به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه ؟ فخطا خطوة ثم قال: ” أعليه دين ؟ ” قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال: أبو قتادة: الديناران عليّ، فقال رسول الله: ” قد أوفى الله حقَّ الغريم وبرئ منهما الميت ؟ قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيومين: ” ما فعل الديناران ؟ ” قلت: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتها، فقال رسول الله: الآن بردت جلدته ” رواه أحمد وصححه الحاكم وحسنه المنذري، ونفس المؤمن محبوسة عن الكرامة حتى يقضي دينه، يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم –: ” نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ” رواه الترمذي وحسنه البغوي، وقضاء الديون في الآخرة بالحسنات والسيئات يقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: “ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم لكن بالحسنات والسيئات ” رواه أحمد وصححه الألباني. ودخول الجنة معلق بقضاء الدين، فقد قال محمد بن عبد الله بن جحش – رضي الله عنه –: كان رسول – صلى الله عليه وسلم – قاعداً حيث توضع الجنائز فرفع رأسه قبل السماء ثم خفض بصره فوضع يده على جبهته فقال: “سبحان الله سبحان الله ما أنزل من التشديد ” قال: فعرفنا وسكتنا حتى إذا كان الغد سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلنا: ما التشديد الذي نزل ؟ قال: ” في الدَّين، والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل ثم عاش ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى دينه ” رواه النسائي وصححه الحاكم وحسنه الألباني، وقال أبو هريرة – رضي الله عنه –: ” من كان عليه دين، فأيسر به فلم يقضه فهو كآكل السحت ” رواه عبد الرزاق، وكل ذلك مما جعل النبي – صلى الله عليه وسلم– على كمال شفقته ورحمته يدع الصلاة على الميت إن كان عليه دين قبل أن يكثر المال في الدولة الإسلامية ليكون السداد منها. فهذه النصوص المخيفة تحمل المرء على التحرز من الديون وإن يُسرت له وزينت في دعايات المصارف ودور التمويل والتقسيط.

إن المتأمل للهدي الإسلامي الشامل لجوانب الحياة في تعامله مع همِّ الدين يجد الدواء الناجع لهذا الداء دفعاً له قبل وقوعه، ورفعاً له بعد الوقوع، وحسماً لأثره عند القضاء وبعده، أما الإجراءات الوقائية المانعة من الدين، فهي التحذير من الدين وبيان خطره كما تقدم، ومنها: الاقتصاد وحسن التدبير إذ أكثر الديون تصرف في الكمالات، كما قال الله – تعالى –: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، وذلك يستلزم ضبط المصروف وحسن تقسيمه، وعدم الانصياع لبهرج الدعاية والإعلان، والتخلص من العادات السيئة وإن جرى بها العمل في المجتمع وعدم مجاراتهم في عاداتهم المباحة إن لم تطق، كذبح الخراف للضيوف وإن كلفته ديناً، ومن حسن التدبير ترك التسجيل لدى المحلات لئلا يتساهل في الشراء ويقع في الدين، ومن حسن التدبير إبقاء جزء من المال للظروف الطارئة كما كان هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ؛ إذ يقول: ” لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئاً أرصدره لدين ” رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري، ومنها طلب تلمس البركة في الأرزاق وقد سبق خطبة في ذلك، ومنها أن يعوّد المرء نفسه وأهله على عدم الاستجابة للرغبات النفسية في تحقيق كل ما تريد والقناعة بما رزقوا، فقد مرّ جابر على عمر بن الخطاب بلحم قد اشتراه بدرهم فقال له عمر: ما هذا ؟ قال: اشتريت بدرهم، قال: كلما اشتهيت شيئاً اشتريته. رواه ابن أبي شيبة وما عولج الطمع بمثل اليأس:

إذا غـلا شـيء عـلـيّ تركـتــه * فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

فإن اضطر اضطراراً إلى الدين فعليه بما يلي:
1- الصدق في نية الوفاء والعزم عليه: فبهذه النية يسلم المرء من مغبة الدين وخطره، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم–: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ” رواه البخاري ومسلم. وروى النسائي وابن حبان في صحيحه مرفوعاً: ” ما من أحد يدان ديناً يعلم الله أنه يريد قضاءه إلا أدى الله عنه في الدنيا ”. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم –: ” من داين بدين وفي نفسه قضاؤه فمات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن داين بدين وليس في نفسه وفاؤه فمات اقتص لغريمه منه يوم القيامة ” رواه الطبراني في الكبير وثبته المباركفوري، وبهذه النية يعان المرء في قضاء دينه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه مالم يكن فيما يكره الله ” رواه الدارمي وحسنه المنذري وابن حجر. وهذه النية لا تكون صادقة إلا بفعل الأسباب الممكنة في السداد وإن كانت قليلة لا تقوم بتغطية الدين، فمن ذلك: توثقة الدين وكتابته في الوصية ( والوصية حينئذٍ واجبة ) ورهن المبيع به، وإعطاء المدين الدائن الفائض من المال عن حاجته وإن كان قليلاً، ومنها: الاقتصاد في النفقة ؛ لينفضل ما يكون به السداد، وقد كان هذا منهج الصحابة في قضاء الدين كما فعل جابر بن عبد الله وابن الزبير في ديون أبيهما، كما روى ذلك البخاري في صحيحه.

2- حسن الظن بالله والاستعانة به، فالله عند ظن عبده به، وقد أوصى الزبير بن العوام ابنه عبد الله بقضاء دينه وقال له: ” يا بني إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه بمولاي ” فقال له: ” يا أبةِ من مولاك ؟ ” فقال: ” الله “، قال عبد الله: ” فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه ” رواه البخاري.

3- ذكر الله ودعاؤه، فمن ذلك دعاء يونس عليه السلام، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: ” دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له ” رواه الترمذي وصححه الحاكم، ومنها دعاء الكرب الذي يدعو به النبي – صلى الله عليه وسلم – كما قال ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ” لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم ” رواه البخاري ومسلم. ومنها لزوم الاستغفار، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: “من لزم الاستغفار جعل الله من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ”. رواه أبو داود وسكت عنه. ومنها قول: ” لا حول ولا قوة إلا بالله ”، فقد قال مكحول: ” من قال لا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ من الله إلا إليه كشف الله عنه سبعين باباً من الضر أدناهن الفقر ” رواه الترمذي وصححه الألباني.
وهناك أدعية خاصة بقضاء الدين، ومنها:
ما روى أبو داود وسكت عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دخل ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك ؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: ” قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ”، قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني، ومنها ما رواه أحمد والترمذي وصححه الحاكم وحسنه الألباني أن علي بن أبي طالب قال لرجل جاء يطلب أن يعينه في دينه، فقال له: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صبير (جبل في اليمن) ديناً لأداه الله عنك، قل: ” اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضل عمن سواك ”. ومنها ما رواه الطبراني في الصغير وجوّده المنذري وحسنه الألباني أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك، قل: يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء وتمنعهما من تشاء ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمة من سواك ”.

4-الحرص على الأسباب الجالبة للرزق كبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الضعفاء وسؤال البركة، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر أخبر أن أباه قتل يوم أحد شهيداً، وقال: وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم فأتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ( بستاني )، ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي حائطي وقال: سنغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجَدَدتُّها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها ”.

5- توسيط الوجهاء للشفاعة في إسقاط الدين أو بعضه كما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – مع جابر.
فإذا حلَّ الدين فإن الإسلام قد حض على حسن الوفاء، وذلك بأدائه في موعده المحدد، والزيادة عليه كرماً من المدين دون طلب من الدائن أو شرط، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلاً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – يتقاضاه بعيراً، فقال النبي: أعطوه، فقالوا: ما نجد إلا سناً أفضل من سنه، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال رسول الله: ” أعطوه فإن من خيار الناس أحسنهم قضاءً ” رواه البخاري ومسلم بنحوه. بهذا التعامل الراقي يحسم هم الدين وينقلب محمدة للإنسان.

ولئن كان النصح مزجى للمدين، فللدائن حظ منه، وهذه رسالة إليه:

أخي الدائن ! إني موصيك بأربع فاحفظها وعيها، تغْنم وتسلم:
الأولى: إياك أن يحملك حب المال على استغلال ظروف الناس وحاجتهم فتزيد في الأسعار زيادة لا تقبل فتنزع البركة من بيعتك.
الثانية: الدَّين إرفاق فإياك أن تلوثه بالحرام كالربا والتحايل عليه.
الثالثة: لا تفوّت فضيلة إنظار المدين، وإسقاط الدين كله أو بعضه عنه، فقد تجاوز الله عن مذنب كان يتجاوز عن المعسرين كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.
الرابعة: إياك والفجر في الخصومة، بأن تعتدي في خصومتك لمدينك فتشتكيه وأنت تعلم عسرته أو تدعو على ولده أو زوجه أو قريب أو تتلفظ عليهم أمام الناس.
وتذكر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دعا بالرحمة لمن كان سمحاً في قضائه كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.

هذه مشاركة من أحد القراء وصلتني على البريد الإلكتروني للموقع da7man@gmail.com فجزا الله مرسلها خيراً

 

الأوسمة:

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: