RSS

ثقافة الاستهلاك تدمر ميزانية الأسر

12 ديسمبر

تحقيق: دعاء فاروق

النفقات لا تتناسب والدخل ومعظمها على كماليات

الإسراف أصبح إحدى سمات المجتمع وتحدياً يواجه العديد من الأسر، خاصة أن أحدث الإحصاءات بالدولة تشير إلى أن 40% من الأسر لا يتناسب دخلها مع معدل إنفاقها، وأن 60% منها مقترضة، فالترف أصبح إحدى العادات المتجذرة في المجتمع الحديث، ويؤدي إلى استنزاف موارد الأسرة على سلع استهلاكية وكماليات يمكن الاستغناء عنها، وربما يدفعها هذا إلى الاستدانة لدفع تكاليف الحياة المترفة لأفرادها .

الهواتف المحمولة ومنها “الآي فون” و”البلاك بيري” والإنترنت وبقية وسائل التكنولوجيا تمثل أحد روافد الإسراف، فقد ارتفع متوسط إنفاق الأسر على خدمات الاتصالات إلى ما يزيد على 5000 درهم شهرياً، هذا ما يقره جمال غانم، موظف بوزارة الصحة، يقول: لدي أربعة من الأولاد يملكون هواتف إضافة إلى هاتفي الخاص وهاتف زوجتي، أدفع شهرياً ما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف درهم، وهذا المبلغ يمثل تقريباً 25% من راتبي، لذلك طلبت منهم تقليل استخدام الهواتف، ولكن طبعاً بلا جدوى، والطريف أن فاتورتي هي دائماً أقل من فواتيرهم .

وعلى الرغم من أننا مجتمع شرقي يميل إلى الوجبات المنزلية التي تعدها ربة البيت، إلا أن المفاجأة أن عدداً كبيراً من الأسر ينفق آلاف الدراهم شهرياً على جلب الطعام من المطاعم . هذا ما يؤكده إساف سلام، موظف بجمارك الشارقة، قائلاً: الوجبات الجاهزة أصبحت مشكلة حقيقية وباباً لقلب الميزانية رأساً على عقب، فأنا رب أسرة مكونة من سبعة أفراد يفضلون أغلب أيام الأسبوع طلب الوجبات الجاهزة، ويتمردون على الطعام الذي تعده والدتهم، والغريب أنها مع الوقت أصبحت هي أيضاً تستسهل الوجبات الجاهزة، وهذا معناه مصاريف مضاعفة مقارنة بما يمكن أن تكلفنا وجبة تعد في البيت، ولكن هذا حال العصر، وواقع أغلب البيوت الآن .

ويؤكد حسين عودة، موظف بشرطة عجمان، بعده عن الإسراف، لكن ذلك لا يرجعه لقناعة بل لظروف إجبارية قائلاً: أعتبر أننا أسرة متزنة من ناحية الإنفاق، فنحن لنا ميزانية موضوعة لاحتياجاتنا الاستهلاكية الشهرية ونلتزم بها، إلا أننا صراحة مجبرون على هذا، لأن لدينا هدفاً محدداً هو شراء بيت لنا خلال العامين القادمين لظروف خاصة، فأنا وأسرتي نقيم في منزل والدي واستجدت ظروف تطلبت تغيير هذا الوضع، ولهذا أعتقد أن وجود هدف يساعد كثيراً على توفير المال .

تقر هدى ناصر، ربة بيت، بأن معدل إنفاق أسرتها يفوق المعقول، إلا أنها تسوق المبررات لهذا قائلة: ارتفاع الأسعار يجبرنا على زيادة مصاريفنا، خاصة أن الأولاد اعتادوا على الرفاهية ولا يمكن أن نحرمهم الآن مما اعتادوا عليه، سواء في المأكل أو الملبس أو حتى الأشياء الأخرى، فكل واحد من أولادي لديه هاتفه المحمول والكمبيوتر الخاص به، وهذا متطلب عادي جداً لكل الأبناء الآن، ويستلزم مصاريف على فواتير المكالمات والإنترنت، هذا غير مصروفهم الشخصي الذي اعتادوا عليه .

ويلقي سعد عبد الرازق، تاجر، الضوء على الأبواب الخلفية لاستنفاد ميزانية الأسرة ودخله معها، مشيراً إلى أن عدم القدرة على إدارة ميزانية الأسرة بشكل سليم يصاحبه عادات أخرى تتسم بالإسراف يقول عنها: التوفير والترشيد من التعبيرات لم يعد لها وجود تقريباً في هذا العصر فنحن أصبحنا أسراً أفرادها تعيش للاستهلاك فقط وهذا أمر أعترف بأنه في أسرتي شخصياً ليس فقط على مستوى المأكل أو الملبس أو الاحتياجات الأخرى، بل حتى في السلوك، فأنا ألاحظ عدم ترشيد الاستهلاك حتى في الكهرباء أو المياه فمنزلي وهو منزل سكني عادي تصل فاتورة الكهرباء والمياه فيه أحياناً إلى الآلاف .

رقية أحمد، موظفة بهيئة المياة والكهرباء بدبي، لها رأي مخالف فهي ترى أنه حتى في ظل الحياة العصرية ذات النزعة الاستهلاكية فإنه من الممكن أن تعيش الأسر باعتدال من خلال تنظيم الميزانية قائلة: هذا الإسراف الذي يقضي على دخل الأسرة أولاً بأول هو سوء تنظيم من قبل رب الأسرة، يجب أن يكون هناك قائمة محددة بحجم المصروفات التي يتطلبها المنزل والأبناء كل شهر حتى يمكن التحكم بالميزانية والإنفاق بشكل معقول، ولكن ترك كل الأمور هكذا مفتوحة وحسب مزاج أفراد الأسرة، هذا هو الذي يخرب البيوت ويدخلها في الديون والأزمات المالية، لأنهم لم يدخروا للأوقات الحرجة ويربون أولادهم على هذا النمط أيضاً .

ويتحدث محمد عامر، موظف بمنطقة الشارقة التعليمية، مشيراً إلى أحد عواقب الإسراف وعدم تنظيم الميزانية قائلاً: القروض ترهق ميزانية الأسرة، وللأسف أغلبيتها الآن يبدد على أمور استهلاكية للأسر، ومن واقع تجربتي هي أمر خارج عن إرادة أغلب الناس، فأنا واحد من الناس دخلي الشهري 16 ألف درهم، أنفق 7400 درهم شهرياً على الدروس الخصوصية لأولادي، فلو نظرنا لبقية المبلغ كيف سيكفي مصاريف البيت والخدمات ومصاريف المدارس واحتياجات الأولاد من ملابس وخلافه؟ اضطررت إلى اللجوء للاقتراض من البنك والنتيجة أنني أصبحت مديناً بمبلغ 3000 درهم شهرياً تقتطع أيضاً من راتبي، في حين أن مبلغ القرض صرف أغلبه على احتياجات الأسرة أو بمعنى أصح في المعيشة اليومية، فأنا لم أستثمره في شيء يعود على بعائد مادي، وغالباً سأجد نفسي في القريب العاجل في حاجة إلى قرض جديد لتسيير أموري .

ويبدأ عادل غالي، مهندس مدني بشركة عمرانكو للإنشاءات، حديثه باتهام موجه إلى الزوجات قائلاً: الإنفاق الأسري العشوائي في أغلب الحالات سببه الزوجة التي تجبر زوجها على تخطي دخله في الإنفاق، لأنها تريد أن تكون مثل فلانة أو فلانة، ولا تراعي ظروف زوجها وتساعده على تنظيم دخله، أما الزوجة المدبرة التي تحسن تنظيم ميزانية البيت، فهي التي تستطيع أن تجعل أمور الأسرة متوازنة بالاعتدال، فهذا في رأيي دور الزوجة الأول، لأني كرجل أقل دراية في أمور البيت وبالتالي لن أكون الأفضل في إدارة ميزانيته .

ويصف عماد سالم، موظف بوزارة الداخلية، الترشيد الذي يتبعه في حياته قائلاً: الترشيد يعني الاعتدال، فهو منطقة وسط بين الإسراف والبخل، وهذا هو المعيار الذي أسير عليه في حياتي لتنظيم ميزانية أسرتي، سواء في أسلوب الشراء أو الاستهلاك، لأنني أرفض مبدأ الإسراف والمبالغة في الرفاهية فقد رأيت صوراً من الإسراف تصل إلى حد السفه، فبعض الأسر التي أعرفها وصل بها الأمر إلى إلقاء الطعام لكثرة ما تشتريه، هذا غير بند الواجبات والمجاملات الاجتماعية الذي فيه مبالغة كبيرة، فعندما نذهب إلى وليمة نجد موائد متخمة بالمأكولات ويسمون هذا كرماً .

والمثير للتساؤل هو أن النمط الاستهلاكي للأسر والنهم في الشراء يستمر حتى مع ارتفاع أسعار السلع، فكما يؤكد شهير قايد، مشرف مبيعات بأحد المراكز التجارية، فإن معظم الأسر زادت من شراء السلع التي زاد ثمنها في الفترات الأخيرة، قائلاً: على عكس ما يعتقده البعض فإن رفع سعر سلعة لا يقلل من إقبال المستهلكين على شرائها، فما نراه ونتابعه هو أن أغلبية السلع التي ارتفع ثمنها زادت المبيعات فيها، وهو دليل أكيد على زيادة إقبال المستهلكين علي شرائها وتفسيرى أن المستهلك اليوم أصبحت لديه احتياجات وعادات شرائية لم يعد من الممكن أن يغيرها أو أن يتخلى عنها، وبالتالي فمسألة الثمن لم تعد تفرق معه فسوف يشتري ما اعتاد عليه أياً كان الثمن .

يتحدث د . حسن عبد المنعم، أستاذ الاقتصاد بجامعة الشارقة، عن الإنفاق الأسرى العشوائي، الذي يرجعه إلى التقليد الأعمى والتباهي الاجتماعي قائلاً: الإسراف والمغالاة في الترف من القيم السلبية التي تسيطر على الإنفاق الأسري حالياً، وهي من المظاهر التي تعيق التطور السوي للمجتمع بسبب نمط الحياة الاستنزافي الذي يعيشه الكثيرون، ليس دائماً بسبب الاحتياج، ولكن في أحوال كثيرة لمجاراة المجتمع في نزعته الاستهلاكية التي سادت، وهذه الثقافة الاستهلاكية التي تفشت تتطلب أن تتعاون كل مؤسسات الدولة الرسمية والخاصة والأهلية لإحداث تغيير لهذه القيم السلبية وإحلال قيم جديدة من الترشيد والاعتدال في الإنفاق ومعنى إدارة ميزانية الأسرة بالشكل السليم .

وعن معيار كل أسرة في ترشيد نفقاتها، وهل هذا المعيار هو الدخل العام للأسرة، أم الاحتياجات الفعلية لها يتحدث قائلاً: ليس هناك معيار ثابت فكل أسرة أو فرد يضع لنفسه مقياساً شخصياً يتواءم مع الاحتياجات الأساسية من دون مغالاة، ولكن يجب التخلي عن القيم الاجتماعية السلبية الدافعة للمغالاة في الإنفاق من أجل المباهاة أو التفاخر والبعد عن هذه العادات الدخيلة في الإنفاق فلا يجب أن نشتري إلا ما نحتاج إليه فعلاً .

وعن موقف الشريعة الإسلامية في هذا الشأن يتحدث د . محمد محمود، أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، قائلاً: الإنفاق الاستهلاكي هو إحدى سلبيات عدم الالتزام بقواعد النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يحث على الاعتدال، فالآيات الكريمة تقول “وكلوا وشربوا ولا تسرفوا”، وأيضاً “والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً” لأن الإفراط في شراء أغراض لا حاجة لها هو نوع من الاستهانة والإهدار في الأموال بلا وجه شرعي، وله عواقب غير محمودة، فالآية الكريمة تقول “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً” ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وحث على حفظه وصيانته في الحديث الشريف “كل واشرب والبس وتصدّق في غير سرف ولا مخيلة، وخير الأمور أوساطُها” فهو ينهى عن الإسراف في المأكل والمشارب والملابس والولائم، ويعظنا بالاعتدال للحفاظ على النعمة، لأن الإسراف من أعظم أسباب زوال النعم .

أحد أسباب الطلاق

يؤكد محمد عبدالله، استشاري أسري في دائرة الشؤون والعمل الخيري في دبي، جانباً سلبياً آخر يصيب الأسرة بسبب الإسراف، حين يؤكد أن الإنفاق الأسري غير المنظم أحد أسباب الطلاق قائلاً: الفشل في إدارة ميزانية الأسرة أحد الأسباب الرئيسة في الخلافات الزوجية بسبب تبادل إلقاء اللوم عند الوقوع في أزمات مالية، ما يؤدي إلى اضطراب العلاقة الزوجية، والواقع العملي يؤكد أن كثيراً من قضايا الطلاق هي نتيجة لسوء تنظيم الإنفاق الأسري، فيجد رب الأسرة نفسه محاصراً بالديون، ويتعقد الأمر عند مواجهة مأزق مادي يضطره إلى الاستدانة مرة أخرى، ما يربك ميزانية الأسرة ويهدد استقرارها وأمانها، وفي النهاية قد يؤدى إلى انهيارها .

المصدر

 

الأوسمة: ,

One response to “ثقافة الاستهلاك تدمر ميزانية الأسر

  1. هادي الشمري

    2015/05/10 at 7:09 ص

    انا اقول بأن المسئول عن وضع خطة انفاق شهربة هما الزوجان.. فهما المخططان وهما المنفذان.. من اجل مستقبل الاسرة.. حتى وان كان احدهما لايعمل

     

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: