RSS

راتب الموظفة بين طمع الزوج وأنانية الزوجة

25 يونيو

 

قبل أن تخرج المرأة للعمل كانت الخلافات الزوجية محدودة ومعروفة، وعندما خرجت للعمل تفاقمت المشكلات، وازدادت الخلافات، وكان أكثرها صخباً وضجيجاً مشكلة راتبها الشهري، مادامت تقضي جزءاً من وقتها خارج المنزل للعمل، وتنوعت القضايا والحوادث في هذه المسألة، بين أزواج يطالبون الزوجات العاملات بضرورة الإسهام في نفقات البيت؛ نظراً لتقصيرهن في واجباتهن الزوجية، وزوجات يطالبن الأزواج بضرورة المساعدة في أعمال المنزل وتدبير شؤون الصغار؛ نظراً لإسهامهن في الإنفاق على الأولاد والمنزل.

 

وما زال السؤال مطروحًا، هل يظل الإنفاق مسؤولية الزوج حسب رأي الشريعة الإسلامية؟ أم اختلف الأمر في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الجديدة؛ حيث أصبحت مسؤولية الإعالة قضية معقدة لا تخضع للضوابط الشرعية و لا تتحدد بالأعراف الاجتماعية.

* النساء يتحدثن:

تقول منال- معلمة عزباء-: أصبح الاقتران بموظفة عاملة إغراء لكثير من الشباب، لاسيما أصحاب الدخل المحدود، ولا يحتاج المرء إلى فطنة ليدرك أنّ سوق الزواج من الموظفات رائج جداً، فأسهُم الموظفة والجامعية أعلى من غيرها، لكن راتب الزوجة قد يعدُّ- في بعض الحالات- وبالاً عليها وأحد مصادر الشقاء في حياتها الأسرية، والمجتمعات العربية تضجُّ بالكثير من الأمثلة لحالات تغوُّل غير شرعي لدخل المرأة، وسرقة جهدها وعرقها، وتجنباً لهذه المشكلات لابد من الاتفاق بين الزوجين من البداية ووضع النقاط على الحروف فيُعرف مسبقاً من المسؤول عن الإنفاق؟ وإذا كان هناك تعاون من الزوجة فما حجم هذا التعاون بعيداً عن الإكراه؟ وماذا سيحدث في حال ترك الزوجة لعملها؟ إلى غير ذلك من أمور حتى يكون الزوجين على بينة، ويسير المركب بسلام.

الجوهرة – مديرة مدرسة – توافق منال في حديثها وتضيف: من المؤسف أن نجد من الأزواج- ممن رقّ دينه وقلّت مروءته- يأكل مال زوجته بغير حق، ويسلك في ذلك سبلاً شتّى فقد يهددها بالطلاق إن لم تعطه، أو يتملق ويظهر الحاجة بين يديها، وقد يلجأ إلى الاستدانة منها مع تبييت النيّة بعدم الوفاء، وقد يشركها معه في مشروع ما دون كتابة عقد بينهما، ثم يسلُّ يدها منه، وينفرد بالمشروع وحده، إلى غير ذلك من ألوان الأكل لمال الزوجة.

أم خالد ترى أن راتبها كان نقمة عليها وتقول: زوجي كان لطيفاً جداً في بداية زواجنا ولم يطلب مني أي شيء خلال العام الأول من الزواج، ولم يسألني حتى عن راتبي وهذا جعلني مطمئنة تجاهه لكني اكتشفت أن صمته كان مصيدة خطَّط لها بعناية، فذات يوم جاءني وطلب مني مبلغاً كبيراً من المال، وقال لي إنه لم يطلب مني ريالاً واحداً منذ أن تزوجنا وأنه في مشكلة يحتاج إلى مال لحلها؛ ومن ثم فالأفضل أن يقترض من زوجته بدلاً من اللجوء إلى أصدقائه؛ فأعطيته ما طلب دون تردد، لكن بعد مدة لاحظت فتوراً في علاقتنا الزوجية، وتفاقم الوضع بعد أن علمت بزواجه من أخرى، وكان وقع الصدمة أشد إيلاماً عندما علمت بأنه تزوج بمالي؛ فطلبت الطلاق ولكني إلى الآن كالمعلقة فلم أحصل على الطلاق ولا شيء يثبت أنه مدين لي بمبلغ كبير من المال.

أما نوف – موظفة- فترى أن راتب الزوجة ملكها ومن حقها أن تصرفه على نفسها، وهي غير مطالبة بالمساهمة في مصروف البيت، وترفض نوف أن تصرف الزوجة راتبها على المنزل والأولاد، ولا تهتم بشكلها ولا تهتم بزينتها ومن ثم تتحول إلى شخص مرهق طول الوقت، في حين هو يخرج ويحب عليها وربما يتزوج بأخرى تصرف على نفسها وتهتم بشكلها ومظهرها، فما الذي تستطيع أن تفعله امرأة ساهمت في شراء المنزل ومستلزمات الأبناء وربما في أقساط السيارة؛ ومن ثم عندما يريد أن يخرجها زوجها أو يطلقها تخرج صفر اليدين ولا تستطيع أن تثبت حقها في أي شيء من ذلك؟!

 

وتؤكد نورة كلام نوف وتسأل: ما الفائدة وهي لا تستطيع أن تنفق ولو القليل من راتبها على احتياجاتها الخاصة، وإنما أصبحت مطالبة بدفع راتب السائق والخادمة شهريّاً، إضافة إلى تسديد أقساط سيارة الزوج أو الابن، وأضافت أنها مطالبة بتسديد جميع فواتير المنزل من كهرباء وهاتف وماء حتى لا تقطع عليها وعلى أطفالها الخدمات، جراء تجاهل زوجها المستمر لتسديد ما عليه من التزامات، بحجة توفير ما يتسلمه شهريّاً للمضاربة فيه بسوق الأسهم، مشيرة- بأسى عميق- إلى أن المرأة وخاصة العاملة فقدت مع كثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقها الكثير من أنوثتها؛ حيث أصبحت هي التي تدعو السباك لإجراء بعض الإصلاحات المنزلية، وهي التي تهاتف البقال أو حتى مديري المدارس لمتابعة سير الأبناء الدراسي.

وتضيف فوزية: في بعض الأحيان يكون الزوج عاطلاً، ولا يبحث له عن عمل بل يحتال على مال زوجته، ويطالبها بالإنفاق، وكأن هذا حق ثابت لا نقاش فيه، وهنا تعاني المرأة الأمرّين: فهي بين مشقة العمل وعناءه، وأعباء البيت وهمومه..

* يريدونها موظفة!!

يقول فهد العتيبي: بالإمكان تصنيف نظرة الراغبين في الزواج من المرأة العاملة إلى عدة تصنيفات: فهناك من يرغب في الزواج من موظفة طمعاً في مالها أو راتبها، ويعتبرها مصدر دخل ثابت يرفع عن كاهله الكثير من الأعباء فيلح عليها بالمشاركة في كل مصروفات المنزل، وهذا الصنف يضم شريحة كبيرة من الذين يعملون في وظائف ذات رواتب متدنية. وهناك من يستغل راتب الزوجة لتحقيق أحلامه الشخصية، كشراء سيارة فارهة، لا يستطيع أن يشتريها من راتبه أو شراء مسكن خاص به، أو غير ذلك من أحلامه التي لا تنتهي. أما الصنف الثالث وهو قليل فيؤمن بضرورة مساهمة المرأة في المجتمع لتحقيق ذاتها والإفادة من قدراتها في نفع الآخرين، لاسيما إذا كانت متخصصة في مجالات يحتاج إليها المجتمع.

وفي نفس السياق يقول مصطفى: لما فكرت في الزواج، فكرت في المرأة الموظفة؛ لأن ظروفي المادية لا تساعدني على تكوين أسرة نظراً لارتفاع متطلبات المعيشة، لكن هذا لا يعني أنني أريد كل راتبها، بل جزءاً قد يكون يسيراً تساعدني به على المصاريف مثل سداد فواتير الماء والكهرباء، وأعرف أن المرأة حرة في راتبها غير أن هذا لا يعني أن لا تساعد زوجها إن كان يستحق ذلك.

أما عبدالله فيقول: الأصل أن الرجال قوامون على النساء أي المسؤول عن الإنفاق والقوامة هو الرجل أما إن كان هناك جنوح من الرجل فينظر للمرأة على أنها مال فقط فأعتقد أن رجولته تحتاج لمراجعة، فالزواج شركة رأس مالها الحب والتفاهم ولا حق للرجل في التصرف في مال زوجته وإن أعوزته الحاجة لمالها فليكن ذلك بالتفاهم والاتفاق.

أبو خالد يرى أنه ليس من الخطأ تماماً أن نفكر بالمعايير المادية، مشكلتنا دائماً في أننا نعلي من شأن الجانب المعنوي والروحي ومن ثم نعزل كل ما هو مادي.

الحياة الزوجية شراكة بكل معنى الكلمة ومن هنا كما هي تفكر برجل مرتاح ماديّاً من حق الرجل أيضاً أن يفكر بامرأة تكون شريكة له في كل هموم حياته، وعندما تكون ذات دخل مادي مرتفع فهذا يعني أن حياته ستكون أكثر راحة-إن شاء الله-. والرسول- صلى الله عليه وسلم- أشار إلى أن المرأة تنكح لمالها أيضاً برغم تأكيده على ذات الدين، فلماذا تحرِّمن على الرجل ما تبحنه لأنفسكن، فالتفكير في المعايير المادية شيء طبيعي، لكن الخطأ أن نفكر فيها فقط ونجعلها محور اهتمامنا.

* نعم للتعاون.. ولا للاستغلال:

صور الاستغلال لرواتب الزوجات من بعض الأزواج لايعكس بالضرورة الوجه المشرق للعلاقات الاجتماعية المتينة التي يفخر بها مجتمعنا الإسلامي، والمرتكزة على قوامة الرجل وشعوره بالمسؤولية نحو المرأة: أماً وزوجة وأختاً، حتى لو كنَّ ثريات، فالزوج في الإسلام هو المسؤول عن الإنفاق على الأسرة، حتى ولو كانت الزوجة غنيّة وتملك الملايين.

يقول الدكتور عقيل بن عبد الرحمن العقيل- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية-: لا ينبغي أن نعطي الموضوع أكبر من حجمه فالخلافات الزوجية بسبب رواتب الزوجات العاملات موجودة لكنها لا تمثل شريحة كبيرة في المجتمع، فالكثير من الأزواج الذين لديهم زوجات عاملات بينهم اتفاق وتعاون وتكاتف واستطاعوا بناء حياتهم سويّاً في سعادة ووئام، فمحبة الزوجة لزوجها تطغى على الأمور المادية، وهناك بعض الزوجات كن يعملن قبل الزواج وعند الزواج اشترط عليهن الزوج ترك العمل فتركنه عن طيب خاطر منهن، فرضى الزوج ومصلحة البيت أولى.

 

ويضيف العقيل: إن الراتب الذي تتقاضاه الزوجة مقابل عملها حق لها لا يجوز الأخذ منه سواء لزوجها أو لغيره إلا الولد إذا كان محتاجاً لذلك فيأخذ منه بقدر حاجته، فالراتب حق للزوجة، فإذا أذن الزوج لزوجته بالعمل إذناً مطلقاً فالراتب حق لها لا يجوز أن يأخذه لا جميعه ولا بعضه إلا برضاها، أما إذا أذن الزوج لزوجته بالعمل واشترط أن له نصف الراتب أو ربعه مثلاً ورضيت بهذا الشرط فإنه يلزمها أن تعطيه القدر المشترط بينهما، وهنا أوجه نصحي لكل زوجين على التعاون والتكاتف فيما بينهما وألا تكون النظرة المادية السطحية هي الطاغية فالحياة الزوجية أكبر وأعظم، وعلى الزوج أن يسعى جاهداً في أسباب الرزق وأن يعلم أنه المخاطب بذلك شرعاً فإن أعطته زوجته العاملة شيئاً من راتبها فحسن وإن لم تعطه فينبغي أن يكون أكبر من أن ينزل لمستوى مجادلة الزوجة والخصام معها لأجل عرض دنيوي.

وعلى الزوجة أن تتعاون مع زوجها فإذا كان محتاجاً لراتبها أو شيء منه كأن يكون عليه ديون أو التزامات مالية فلا يليق أن تصرفه يمنة ويسرة بل عليها أن تكسب قلبه وتكون المبادرة منها.

* أفضل التدابير:

إذا كانت الدراسات الإحصائية والأبحاث المتعلقة بإنفاق المرأة وإعالتها للأسرة في كثير من الحالات أثبتت قدرتها على تحمل مشاق العمل والقيام بمسؤوليتها تجاه بيتها وأسرتها إلا أن رياح عاصفة واحدة في منزل الزوجية كفيلة بسحق ما جادت به حين يطالها الطلاق لتبقى رهينة محبسين: أولهما الإقصاء، وثانيهما نكران مالها، فكيف تتصرف المرأة حينها؟ وما التدابير التي تتخذها لضمان حقوقها المالية؟

الدكتور محمد عبد الرحيم- أستاذ الشريعة والقانون- يرجع ذلك إلى طبيعة الزوج وضعف المرأة وعدم قدرتها على الدفاع عن حقوقها، فالإسلام قد أحل للمرأة المكانة اللائقة بها في جميع المجالات، ومنها مجال الحقوق المالية، إذ جعلها بعد بلوغ سن الرشد كاملة الأهلية المالية، ولم يجعل لأحد عليها ولاية، ولا يجوز للزوج أن يتصرف استقلالاً في مال زوجته، أو أن يأخذ شيئاً من مهرها، أو ميراثها، أو راتبها، إلا إذا طابت به نفسها ووهبته إليه بطيب نفس منها دون كره أو إجبار.

وعن أفضل التدابير لضمان حقوق المرأة المالية يؤكد الدكتور محمد أن القول بأن الثقة المتبادلة بين الزوجين والمحبة بينهما أكبر من أي توثيق أو إشهاد هي عبارة حق يراد به باطل، إذ لا ينقص من حق الزوج ولا من كرامته أن يزود زوجته بما يضمن لها حقها، والأصل في العقود والمعاملات المالية بين الناس كتابتها ويستشهد في ذلك بما ورد في “آية الدين” في سورة البقرة وهي أطول آية في القرآن الكريم وفيها يأمرنا الله عز وجل بكتابة ما نجريه من معاملات وعقود، حفظاً للحقوق من الضياع، ومنعاً لحدوث الشقاق والمنازعات.

* رأي القانون:

فيما يتعلق بموقف القانون من التعاملات المادية بين الزوجين يشير أسامة العشماوي- المحامي والمستشار القانوني- إلى أن سبب تعرض المرأة للاستغلال المادي من جانب الزوج هو عدم وضع ضوابط واضحة منذ البداية في ما يتعلق بالتعاملات المادية بين الزوجين، وهذا ليس عيباً فالزوجة حينما تقول لزوجها: “هذا ميراثي” أو “هذه الأموال خاصة بي” وتجعلها بمعزل عن أموالهما الزوجية المشتركة، فإنها بهذه الوقفة الصريحة ترسم حدوداً واضحة تجنبهما كثير من المتاعب والأزمات، بشرط أن يكون ذلك باتفاق ورضا الطرفين  .

ويقول العشماوي: إن التحايل على الزوجة بهدف استغلالها ماديّاً يدعى في القانون اختلاق أكاذيب، وهذه الأكاذيب تكون معقدة ومؤيدة بتصرفات معينة توحي للمرأة بأن زوجها في حالة من الضيق والحاجة، بحيث يستحوذ على أموالها، وهنا تتضرر المرأة بسبب فقد بعض أو كل أموالها، فضلاً عن الضرر النفسي الذي يلحق بها جراء خيانة زوجها الثقة التي منحته إياها، وفي هذه الحالة تكون أمام خيارين: الأول أن تطلب الطلاق والانفصال عن زوجها، والثاني أن تتناسى ما حدث وتحاول أن تكيف حياتها على هذا الأساس، مع مراعاة الحرص في تعاملاتها المالية مستقبلاً مع الزوج  .

 

ويضيف المستشار العشماوي أن المرأة بطبيعتها أقل رغبة في الشكوى للمحاكم مما قد تتعرض له أو تعانيه من استغلال وظلم من جانب زوجها، وذلك من باب الحرص على كيان الأسرة واستمرار العلاقة الزوجية ولهذا فإن القليل النادر من مثل هذه القضايا يعرض على المحاكم، ويحل غالباً بالتسوية الودية، أو بتدخل الأهل والأصدقاء، أو بالمعالجة من الأصل عند ظهور خلاف في المراحل الأولى من الزواج.

* قليل من الفراسة:

تؤكد سيدة الأعمال نهلة منصور أنه ليس مطلوباً من المرأة أن تكون محامية أو سيدة أعمال، كي تحمي حقوقها فالمسألة أسهل من ذلك بكثير وتقول إن قليلاً من الفراسة والتفكير المنطقي هما كل ما يلزم، أما الثقة العمياء مرفوضة سواء أكانت بداعي حسن النية، أم الخجل أم الكسل أم الجهل، وما إلى ذلك من مبررات “واهية” قد تخدع بها المرأة نفسها  .

وتشير إلى أنه لا يوجد ما يمنع المرأة من التحوط، فتأخذ حذرها في حدود “معقولة” بحيث تضمن حقوقها بما لا يخدش كرامة وكبرياء زوجها، “فمثلاً وبدلاً من التوكيل العام، يمكنها أن تكتب له توكيلاً خاصاً، بحدود معينة للتصرف”.

وتؤكد نهلة منصور أن الزوج هو كل شيء بالنسبة إلى زوجته، ولذا لا ينبغي أن يفهم من كلامها أن جميع الرجال ليسوا أهلاً للثقة؛ بل على العكس، فإن معظمهم كذلك، ولكن المشكلات المادية تظل وراء كثير من الخلافات الأسرية وحالات الانفصال والطلاق والهجر  .

* في السراء والضراء:

يؤكد الدكتور علي ليلة – أستاذ الاجتماع – أن الأصل في الأسرة أن تقوم على التكامل بين الزوجين، والإسهام بينهما في السراء والضراء، فالزواج شراكة إنسانية في أسمى معانيها، هذه الشراكة تقوم على التعاون والرحمة والإيثار والتضحية بين طرفي الزواج، أما إذا كان بينهما الأنانية، وتسلطت المصلحة المادية على المصلحة العامة للأسرة فسدت العلاقات الزوجية واضطربت الأسرة وخرَّجت للمجتمع أبناءً وفتياتٍ غير أسوياء، وأشار الدكتور ليلة إلى أن الزوجة ما دامت تعمل فلابد أن يعود ناتج أو بعض ناتج عملها (المرتب) للأسرة، ويكون إسهامها في نفقات البيت على حسب درجة ارتباط الزوجة بالأسرة، ورغبتها في الارتقاء والنهوض بها في مختلف أوجه الحياة، وهذا الإسهام يكون تعويضاً عن التقصير الذي ينتج من غيابها لساعات طويلة خارج البيت التي هي حق الزوج والأسرة.

أما إذا امتنعت الزوجة عن الإسهام بجزء من مرتبها في نفقات بيت الزوجية، وتمسكت بضرورة إسهام الزوج في أعمال المنزل فهذا غير مقبول منها على الإطلاق، ففي غياب المشاعر الإيثارية وقيم التضحية والعطاء في الأسرة لا تقوم حياة زوجية سعيدة ومستقرة، وحتى يتحقق هذا لابد أن يحرص كلا الزوجين على إسعاد زوجه بأي طريقة من طرق التضحية.

ويشير الدكتور أحمد أبوالعزايم- أستاذ الطب النفسي ورئيس جمعية حل الصراعات الأسرية بالقاهرة- إلى أن مسألة الإنفاق على بيت الزوجية وإسهام الزوجة العاملة فيه من أهم الموضوعات التي توليها الجمعية اهتماماً بالغاً، وتتدخل الجمعية لحل هذه المشكلة لأكثر من 60% من الأسر المصرية.

وقد أظهرت كل الدراسات النفسية- التي أجريت على آلاف العينات التي تعاني هذه المشكلة- على أهمية وضرورة إسهام الزوجة العاملة بجزء من مرتبها في نفقات البيت، وكلما كان هذا الإسهام فيه نوع من الرضا والسماحة كان التفاهم والاستقرار أكثر، وكانت السعادة والاستقرار هي سمات الأسرة العربية، سواء أكانت في مصر أم في غيرها من البلاد العربية أم الإسلامية.

* الثقة والفضل:

الدكتور أحمد عبد الله- أستاذ الطب النفسي- يقول: الأصل في إدارة شؤون الأسرة سواءً في الاقتصاديات أم في غير ذلك، إنما يقوم على الثقة والفضل، قال الله تعالى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: من الآية237]، وفي إطار هذه الثقة، وفي ظلال هذا الفضل نتوقع من الزوجة أن تساهم بمقدار معقول تقدّره هي حسب ظروف البلد، وحسب احتياجاتها الأخرى التي تقوم بقضائها من ملبس وغيره باتفاق مع الزوج، وإذا كنا نرى أن العمل المناسب – الذي لا يجور على حق البيت والأسرة– هو مكسب حقيقي للمرأة وللأسرة وللمجتمع؛ فإننا في الوقت ذاته نرفض أن يكون هذا العمل مدخلاً لإحداث الخلل في بنية الأسرة، ويحدث هذا الخلل حين يغيب الحوار بين الزوجين حول مسائل الحياة ومنها النفقة، وفي الغالب فإن الرجل الكريم القادر لا يطلب من زوجته مالاً ينفق منه على البيت، وكذلك فإن المرأة الكريمة القادرة لا تنتظر تنبيهاً من أحد يدفعها أن تساهم في نفقات الأسرة؛ لأن هذا الكيان المشترك الذي يتكون من الأب والأم والأطفال- صغروا أم كبروا- مسؤولية مشتركة، تقوم فيها المرأة بالدور الأكبر في الرعاية والتربية، وتساعد ببعض المال بحسب الظروف والأحوال، مع أن الأصل الذي نميل إليه هو أن الرجل هو المسؤول عن الإنفاق بالكامل – على قدر دخله – ولو كانت زوجته ذات مال.

بإمعانِ النظر في النصوص الشرعية نجد أنّ الإسلام حمى مال الزوجة؛ فلم يجعل ليد الزوج عليه من سبيل؛ فأبقى لها حريّة التصرُّف في مالها إذا كانت عاقلة رشيدة، وليس للزوج حق في أن يتناول منه درهماً واحداً إلا عن طيب نفسها، وليس له حق في منعها من أن تتصرّف في مالها على وجه المعاوضة كالبيع والقرض والإجارة ونحوها، وليس له الحق في منعها من أن تنفق منه أو تنفقه على وجه التبرع كالصدقة والهبة.

ولا يعني ذلك أن تقبض المرأة يدها عن إعانة زوجها، كما لا يعني تصرُّفها في مالها أن تدع استشارة الزوج والاستنارة برأيه؛ بل اللائق بها أن تستشيره في شؤونها، وتعينه على نوائب الدهر خاصة في هذا العصر حيث خرجت المرأة للعمل، مما يكلّف الزوج الكثير.

فعليها أن تسدد وتقارب محاولة إرضاء زوجها مقابل تحمله لبعض التقصير منها في أداء حقوقها وإهمال أبنائها وبيتها. فله عليها حق من مالها وخصوصاً إذا كان ذا دخل محدود، فأين ستصرف راتبها إذا لم تساهم بجزء منه لزوجها وبيتها؟! لذا يمكنها أن تساهم في نفقة البيت وتعاون زوجها وتحمل عنه جزء من الأعباء الاقتصادية للأسرة. فذلك مما ينمّي الأُلفة ويرسِّخ دعائم المودَّة.

* الزواج الوقائي:

يشير الخبراء والمختصون إلى أنه إذا وصلت الأمور بين بعض الأزواج والزوجات إلى حد كبير من الخلاف والشقاق حول مسألة الإنفاق؛ فيجب أن يكون هناك خطة للعلاج على المدى الطويل، تشترك فيها وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك المدرسة؛ بحيث تكثف التوعية من خلال هذه الوسائل على قيم الترابط والتماسك والتراحم والتعارف والإيثار والتضحية، فلا مانع للمرأة من العمل، وأن يكون لها دخل خاص بها، وأن تكون ذمتها المالية مستقلة عن زوجها، ولكن الإسهام في نفقات بيت الزوجية يعمل على بقاء الأسرة على قيم المودَّة والتراحم والتعاون والحب.

وتقع على المؤسسات المختلفة مسؤولية كبيرة في التوعية الدينية لتعريف الأزواج بحقوق كل منهم تجاه الآخر، وتبصيرهم بمسؤولياتهم الزوجية، مع ضرورة وضع برنامج (زواجي وقائي) لمراكز خدمة المجتمع، وفي المرحلة النهائية من الثانوية العامة للبنين والبنات ليعوا دورهم بحقيقة العلاقة الزوجية، وكيفية مواجهة الكثير من المشكلات بمختلف أنواعها ومنها كيفية التعامل مع رواتب الزوجة التي أصبحت من المشاكل التي تهدد استقرار الأسرة.

المصدر


 

الأوسمة: ,

6 responses to “راتب الموظفة بين طمع الزوج وأنانية الزوجة

  1. ابو يحي

    2011/08/25 at 5:50 ص

    اود اضافة جزء بسيط الا وهو ان المرأة العاملة اذا احست بعدم الثقة تجاه الزواج من موقف ولو بسيط حصل بينهما فانه من الطبيعي ان يحصل الخلاف بينهما دائما وانا انصح اخواني الازواج والزوجات ان يجعلو ديدنهم في الحياة هو الرحمة والمودة بينهما وعدم التسلط على الآخر وان لايستعجلو مثل مايقول المثل (كل شي في وقتة حلو) بالتوفيق للجميع

     
  2. أبو عبد الرحمن

    2011/10/17 at 1:49 م

    ورد هذا التعليق في صفحة الموقع على الفيسبوك من الأخت مراسم الطموح وننقله هنا للفائدة:

    أشباه الرجال!
    الرجل الذي يساوم زوجته على راتبها رجل دنيء، ولا يوجد لديه ذرة كرامة. كيف يسمح هؤلاء الأزواج لأنفسهم أن يساوموا زوجاتهم على رواتبهن

    الرجل الذي يساوم زوجته على راتبها رجل دنيء، ولا يوجد لديه ذرة كرامة. كيف يسمح هؤلاء الأزواج لأنفسهم أن يساوموا زوجاتهم على رواتبهن، ويخرجوا للمجتمع يتحدثون عن الرجولة وعزة النفس ومكارم الأخلاق؟!
    أصبحت الزوجة الموظفة ـ المعلمة بالذات ـ مشروعا استثماريا لدى كثير من الأزواج.. يقف لها عند باب المنزل يوم 25 من الشهر.. يمد يده القذرة ليأخذ الجزية رغما عنها.. ليس أمامها سوى الصبر ودفع الجزية وهي صاغرة.
    عذابات كبيرة تجدها كثير من معلمات اليوم من أزواج يساومونهن على الحياة الزوجية الكريمة.. يساومونهن على حياة هانئة دون مشاكل.. يساومونهن على الهواء والحرية والمجتمع مقابل اقتطاع مبلغ معين من راتبها.
    راتب المعلمة حق لها ولمن أرادت، وأتفهم تماما مساعدة المرأة لزوجها في شؤون الحياة ـ أحياناً ـ إن لزم الأمر.. لكن هذا يجب أن يكون عن طيب نفس وخاطر، وبرضا المعلمة نفسها، طواعية وليس كرهاً عن طريق الفرض أو القوة الجبرية.
    إن هذا النوع من الغصب والابتزاز هو أكل لأموال الناس بالباطل. ألا يخجل هؤلاء الرجال ـ أو سمهم أنصاف الرجال إن شئت ـ من ابتزاز نسائهم؟ ألا يخجل أشباه الرجال من أنفسهم وهم يحصدون تعب هذه المرأة الضعيفة ظلما؟
    ألا يخجلون من هذه “الشنبات” التي تكسو وجوههم وهم يمدون أيديهم كالمتسولين نهاية الشهر؟ والمخجل أكثر أن هناك من يبحث عن امرأة معلمة ليرتبط بها.. لا لدينها ولا لجمالها ولا لحسبها.. بل لمالها.. لراتبها نهاية الشهر!
    تحولت حياة الكثير من النساء إلى جحيم وعذاب مستمر، بسبب أزواج يساومونهن على رواتبهن نهاية كل شهر.. وكثير من المشاكل في البيوت بسبب النزاعات على راتب الزوجة!
    إن بقاء المرأة عانسا طيلة حياتها أشرف لها ألف مرة من الارتباط برجل دنيء نفس، قذر، يبتزها كل نهاية شهر.

    صالح الشيحي
    صحيفة الوطن

     
    • نورة

      2013/01/12 at 11:35 ص

      للاسف راتب الزوجة يهدد حياتها عند اشباه الرجال الذين طغت الانانية قلوبهم
      المشكلة انهم ياخذون الراتب ليصرفونه باشياء تافهه وهذا يزيد قه او اشياء خاصة بهم
      حسبي الله

       
  3. عبدج الله

    2013/05/31 at 12:07 ص

    أولى الناس بالمرأة زوجها وعملها إن لم يعد بفائدة لبيتها فما جدواه

     
  4. خالد

    2015/08/25 at 12:44 ص

    ماتعويض الزوج بحق تقصير زوجته اتجاهه وخاصة تقصيرها في الجماع _ إن المعلمة تنام مبكرا بحجة الاستيقاظ مبكرا للمدرسة وعند انتهاء عملها تأتي للبيت متعبة منهكة فتنام مباشرة وأكثر المعلمات لاتقدم لزوجها ولا لأبناءها وجبة الغداء في الظهيرة حيث الزوج جائع والأبناء جائعون وربما تكتفي بالأكل السريع ثم تستيقظ العصر بعد نوم عميق فتكون مشغولة بتحضير أعمالها من المكتبة وغيره وتطالب زوجها بخادمة فتجدها اتكلت على الخادمة بجميع أعمال البيت والبعض من المعلمات تطالب زوجها بمصاريف الخادمة وهي التي بنفسها تركت بيتها لتخرج للعمل فهي مسؤولة عن من يقوم بعملها في غيابها وليس الزوج مسؤول عن ذلك وهي مسؤولة عن جميع تكاليف من يقوم بعملها أين تعويض فقد الأطفال لترك أمهاتهم في غيابهن فقد يكونون في خطر بين يدي من يعولهم
    إذا كانت المرأة بخروجها لعملها تخدم زوجها بأنها تكفه عن مصاريفها فكل الأزواج متفقون أن تجلس في بيتها وهو يقوم بالصرف عليها بما هو ضرورة ولكن من أرادت الفخفخة والكماليات والتنافس في اللباس والتبذير فهذا ليس من مسؤوليات الزوج ولا يحق لأي زوجة أن تطالب زوجها بما هو كمالي خارج عن حاجتها وهو من باب التبذير وليس بالضرورة ( نساء كثير سيعاقبهن الله بتبذيرهن المال ) .
    مالذي استفاده الزوج من خروج إمرأته للعمل غير الهم والنكد وترك بيتتها وإهمالها لأعمال البيت وتقصيرها بحق بزوجها وأبناءها
    فزوج المعلمة مظلوم ولكن كيد النساء عظيم يفكرن ليل نهار كيف يكون الزوج كالكلب يجري خلفها .
    ورسالتي إلى بعض المعلمات وليس عمومهن : أنا أعلم علم اليقين لو عرض عليك زوجك بمصروف 2000 ريال شهريا و2000 ريال مصاريف الأولاد = 4000 شهريا لك ولابناءك في ورقة مشروطة بينكما ودين دائم مستمر على الزوج اتجاهك واتجاه ابناءك وعليه توقيعه وبصمته وختمه فلا يستطيع نقض هذا العهد بشرط تركك للعمل لرفضتي هذا العرض .
    لأن أغلب المعلمات طبعها مادي ودنيئة نفس وتطمعين المزيد لنفسها فغاية خروجها للعمل لنفسها ومصلحتها وليس تقصيرا من الزوج
    تبا لكل معلمة تندم على شي يكون فيه تنفيس لزوجها الذي لم يتزوج غيرها وتنظر لزوجها بأنه طامع فيها
    تبا لمن كانت على شاكلتهن ..
    الله يغني كل زوج عن إنسانة مادية ولو كان الأزواج أذكياء لصرف عليها مبلغ شهريا فوق حاجبتها بشرط أن تنثبر في البيت فوالله انه لمكسب للزوج ولو فكر قليلا لرأى انه لم يستفد من خروجها من البيت أي شي إلا الهم والنكد وأما المصروف الذي نفست عنه فهو مصروف بسيط يستطيع أي زوج القيام به وأما إن كانت من المبذرات فبدالها بنات غيرها والديرة مليانة ولا تندم على مفارقتها واللي ماتراعي زوجها ولا تقدر ظروفها لابارك الله فيها ولا في عشرتها .

     
  5. خالد

    2015/08/25 at 12:51 ص

    إذا كان الرجل من أشباه الرجال وليس من الرجال فالمرأة من باب أولى أن تكون من اشباه النساء وليس من النساء

     

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: