RSS

الادِّخار.. الحل المهجور

19 أبريل
د. علي بن سالم باهمام

اختفت ثقافة الادِّخار لدى نسبة كبيرة من الأسر الشابة في المجتمع السعودي، وذلك عائد إلى إفرازات العولمة ونتائجها، وانفتاح الأسواق العالمية على بعضها، وسهولة انتشار الجديد من السلع المتنوعة، والمتغيرة ــ بشكل مستمر ــ في شكلها وتصميمها ومميزاتها وخصائصها، مع ما يرافقها من حملات إعلانية محمومة، حتى تحول المجتمع السعودي إلى مجتمع استهلاكي شبيه بالمجتمع الأمريكي. فالجميع تقريبا يرغب في اقتناء كل ما تخرجه المصانع العالمية من سلع جديدة، سواء كانت من الضروريات أو الكماليات، والتي يروج لها بحملات إعلانية شرسة، وتوفر عادة في الأسواق وتعرض في مدة قياسية، سواء وجِدت لها حاجة حقيقية عند الأسرة أم لم توجد. فأصبحت غالبية الأسر تنفق كامل دخلها ولا تدخر أي مبلغ منه للمتطلبات المستقبلية، بل وصل الحال ببعض الأسر إلى مرحلة الحصول على السلع بالدَّين، فظهرت طبقة من المجتمع تعمل وتكدُّ طوال الشهر وتحصل على دخل مقابل ذلك لكنها لا تملكه ولا تملك التصرف فيه؛ لأنها سبق أن دفعته قيمة لمقتنيات حصلت عليها بالدَّين.

إن التخلي عن الأنماط الاستهلاكية والعناية بالادخار من أجل السكن منذ وقت مبكر في حياة الأسرة من أهم العوامل المساهمة في تمكين الأسرة من امتلاك مسكنها. والادخار هو الفرق بين دخل الأسرة وإنفاقها، فكلما ارتفع دخل الأسرة وانخفض إنفاقها زادت نسبة ادخارها. كما أن الادخار يتأثر ضمن علاقة عكسية مع أسعار وتكاليف احتياجات الأسرة ومتطلباتها، فكلما زادت التكاليف انخفض الادخار. ويزداد حرص الأسرة على الادخار كلما زادت أهمية الهدف من الادخار أو ارتفع العائد المتوقع منه على حياتها، وهل هناك ما هو أهم من امتلاك المسكن بالنسبة للأسرة؟ ويجب التنبه إلى أن الادخار الحقيقي ليس فقط حفظ الفائض عن إنفاق الأسرة، بل يتعين أن يكون الادخار استقطاعا إجباريا مسبقا، يتحدد في ضوئه الوفاء باحتياجات الأسرة اللازمة لحياة عادية.

إن الادخار لوقت الحاجة أو لضمان امتلاك المسكن واجب من منطلق الأخذ بالأسباب، وهو توجيه إسلامي له أصول شرعية، فالله ــ عز وجل ــ قال: “وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا” (الإسراء:29). كما قال ـــ سبحانه وتعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا” (الفرقان:67). وقال الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ” (متفق عليه)، وورد في الأثر: “رحم الله امرأ اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته”. وإذا تحقق لدينا ذلك كان لزاماً على كل أسرة الترشيد في الإنفاق الاستهلاكي بلا تقتير ولا إسراف. والعناية بالادخار وتوظيفه في الاستثمارات التي لا تعود فائدتها ـــ فقط ـــ على الفرد والأسرة، بل تتعداه إلى إنعاش الاقتصاد الوطني، فزيادة ادخار الأسر ستعمل على خفض المستوردات، وسيوفر السيولة اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية الوطنية.

المصدر

 

الأوسمة:

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: