RSS

عام الرمادة

01 يناير

الشيخ محمد صالح المنجد

لقد كان في تاريخنا المشرق من أنواع إدارة الأزمات قبل أن يعرفه أهل الإدارة في العصر الحديث، ولما قامت الأزمة في عهد عمر -رضي الله عنه- في عام الرمادة، وحصل قحطٌ شديد وقل الطعام، ودام 9 أشهر. وسمي عام الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد، وقيل: لأن الأرض كانت سوداء مثل الرماد.

فما هي التدابير التي اتخذها عمر -رضي الله عنه- في هذه الأزمة؟

أولاً: حث الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله، وكان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب –أطراف المدينة – فيطوف عليها ويقول في السحر: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي.

ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين –يعني القحط- وارفع عنا البلاء، يردد هذه الكلمة.

ثانياً: كتب إلى عماله على الأمصار طالباً الإغاثة، وفي رسالته إلى عمرو بن العاص -والي مصر-، بعث إليه: “يا غوثاه! يا غوثاه! أنت ومن معك ومن قبلك فيما أنت فيه، ونحن فيما نحن فيه”. فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والدهن، وبعث إليه بخمسة آلاف كساء.

وهكذا أرسل إلى سعد بن أبي وقاص، فأرسل له بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة. وإلى والي الشام، فأرسل إليه بألفي بعير تحمل الدقيق، ونحو ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم؛ لأن هذه الأمة واحدة. فإذا مسّ بعضها شدّة، تداعى الباقي لها، جسدٌ واحد.

ثالثاً: أحس عمر بمعاناة الناس، قال أنس -رضي الله عنه-: كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة، وكان يأكل الزيت، ولا يأكل السمن. فقرقر بطنه فنقرها بأصبعيه، وقال: تقرقر، إنه ليس لكِ عندنا غيره حتى يُحيا الناس -أي: يأتي الله بالحياة والمطر الذي يغيث به الأرض-.

وقال أسلم: كنا نقول: لو لم يرفع الله المَحْلَ عام الرمادة؛ لظننّا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين. ثم يقوم -رضي الله عنه- بوعظ الناس وينادي: أيها الناس، استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، وسلوه من فضله، واستسقوا سقيا رحمة.

وطلب الناس من العباس عم النبي عليه -الصلاة والسلام- الرجل الصالح، وأقرب الحاضرين إلى النبي عليه -الصلاة والسلام- أن يخرج؛ ليستسقي لهم؛ استشفاعاً بدعاء الرجل الصالح من آل البيت، وكان العباس حياً، فلم يطلبوا من ميت ولم يطلبوا شيئاً لا يقدر عليه الحي، وخرج العباس يدعو الله، فدعا ودعا، وبكى، فاستجاب الله ونزل الغيث.

في حالات ارتفاع أسعار الغلاء لا بد أيضاً للمستهلكين والمشترين من توجيهات:

– فمن ذلك عدم التوسع في الشراء، وجعله هوايةً كما هو عند الغرب؛ بعض الغربيين يجعلون من هواياتهم التسوّق، النزول إلى الأسواق، الطواف بالأسواق. الشراء صارت لذة وشهوة نفس، ليست بحسب الحاجة، لكن شهوة ولذة وهواية. فنقول: هذا المال محاسب عليه الإنسان، فيم اكتسبه، وفيم أنفقه؟، فلا تجعلنّ الأمر الذي عليه مناط حسابك يوم الدين شهوة نفس، والمهم أن تشتري بغض النظر عما تنفق.

وليس المسلم الحكيم بالذي يرهق نفسه بكثرة الشراء، ويهدر الأوقات والأموال والأعمار، وفي كثير من الأحيان يكون مصير شراء ما لا حاجة له من الأطعمة براميل القمامة. وقد قال تعالى: (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) [سورة الأعراف: 31]. وقال: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [سورة الأنعام:141]. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: “فالذين يقتصدون في المآكل نعميهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإن أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة، مع أنهم قد لا يصبرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها. مرّ جابر بن عبد الله ومعه لحم على عمر -رضي الله عنهما- فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحمٌ اشتهيته فاشتريته. قال: أو كلما اشتهيت شيئاً اشتريته، أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) [سورة الأحقاف:20] ولا بد من تربية الأولاد على هذا المبدأ لتكون الأسرة متحدة في هذه السياسة في الشراء.

– ثم مراعاة الأولوية في الإنفاق، وقد جاءت الشريعة بالحكمة، والحكمة وضع الأشياء في مواضعها، ونهت عن الظلم، وفي عدم وضع الشيء في موضعه في الشراء ظلم للنفس.

وقد وجد في بعض الدراسات أن الكماليات هي ثلثا المشتريات، ووجد أن العربة التي تملؤها ربة البيت في البقالات والمحلات الكبيرة غالبها من هذا الجنس الذي يمكن الاستغناء عنه. يقول أحد المستهلكين: هذه المعلبات في الأسواق الكبيرة خربت بيتي، كلما أذهب إليها لأشتري أدفع حوالي 500، وأحس أني لم أشتر شيئاً مفيداً.

– ثم ثالثاً: لا بد من ترشيد الاستهلاك، والحرص على أن يصرف القرش في محله، وإذا صارت القضية إنفاقاً في سبيل الله جادت النفس، وأما بالنسبة لما يشتريه الإنسان في العادة فالسياسة فيه قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) [سورة الإسراء: 29].

– ورابعاً: التحلي بخلق القناعة، والغنى في الحقيقة غنى النفس، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصانا في أمور الدنيا أن ننظر إلى من هو دوننا، وليس إلى من هو فوقنا؛ فقال: ((انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله)).[6] [رواه مسلم]. وقال عليه الصلاة والسلام: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)).[7] [رواه مسلم] إذا نظرت إلى من هو دونك في المعيشة، حمدت الله على النعمة، أما إذا كنت ترمق من هو فوقك دائماً لا تستريح.

هي القناعة فالزمها تعش ملكاً *** لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر إلى مالك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن

– وخامساً: الفطنة وعدم الاغترار بالعروض والإعلانات والدعايات، نحن في عصر الإعلام والإعلان؛ وهذه الإعلانات تحوي كثيراً من المبالغات والكذب، وعلى العاقل ألا ينساق وراءها، وحتى لا يتزايد الشعور بالحرمان أيضاً إذا لم يستطع فيبقى في ألم وحسرة، أو يلجأ إلى الاستدانة.

وهذه البطاقات الائتمانية التي كان في ترويجها خداع من أكبر الخداع للمسلمين، وغش من أعظم الغش للمسلمين، وإيقاع في الربا الذي هو من أكبر الآثام في حياة المسلمين، ولذلك لا بد من الحذر الشديد في قضية الشراء المسبق، ولا يشعر الإنسان ماذا يدفع؛ لأنه من مال الغير، ثم بعد ذلك سيشعر به آلاماً منغصةً أضعافاً مضاعفة.

– وسادساً: الحذر من إنفاق المال في المحرمات، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا أن السؤال من أين اكتسبه وفيم أنفقه، والإنفاق في الحرام تبذير. وقد قال الله: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [سورة الإسراء:27].

والعلاج العام للقضية التوبة والرجوع إلى الله. قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [سورة الروم:41] فإذا ظهرت المنكرات في المجتمع، وعم الفساد والخنا والفجور والربا والزنا أتاهم الله بأنواع البلاء: يحبس الغيث، يغلي السعر، وهكذا ما من مصيبةٍ إلا وسببها الذنوب والمعاصي (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [سورة الشورى:30].

عباد الله!

ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، والاستغفار من أسباب الازدهار ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) [سورة نوح:12].

ثم عدم نسيان الفقراء، تقوم الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأفراد بإيجاد الحلول على جميع المستويات لهؤلاء المساكين. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [سورة البقرة: 272]. ((يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك))[8].

المصدر

منقول بتصرف

 

الأوسمة:

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: