RSS

من الإسراف للتوسط..خطوات جريئة

29 يوليو

main_art_5404808

الأحوال الاقتصادية التي تعيشها الدول النامية بشكل عام، ومنها الدول العربية والإسلامية،تدعو كل عاقل أن يحسن التدبير، وأن يوظف ما لديه من نفقات في مجالات تنفعه وتعود بالخير على المجتمع الذي يعيش فيه.فالدخول المحدودة،وانخفاض نصيب الفرد من التعليم والصحة،وتردى البنية الأساسية،تجعل الإسراف شئ ممقوت،فالإسراف في حال الغنى مرفوض،فما بالنا في حالة الفقر والعوز التي نمر بها.

ويحضرنا هنا ما ورد في كتاب الله عز وجل لتوضيح المنهج الذي ينبغي أن يتبع في الاستهلاك والإنفاق، فيقول الحق تبارك وتعالى ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) الاسراء:29. فخير الأمور الوسط، فلا إسراف ولا تقتير.

وتبين السنة أهمية الاعتدال في الإنفاق من خلال العديد من الأحاديث الشريفة وسلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، ونشير هنا على وجه السرعة إلى قوله صلى الله عليه وسلم”رحم الله امرئ، اكتسب طيباً، وانفق قصداً، وادخر ليوم فقره وحاجته” ) .عن ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها، ضعفه السيوطي في الجامع الصغير)

والإسراف كما يكون من الغنى، فقد يكون من الفقير أيضاَ، لأنه أمر نسبي. والإسراف يكون تارة بالقدر، ويكون تارة بالكيفية، ولهذا قال سفيان الثوري رضي الله عنه: “ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف، وإن كان قليلاً”، وكذا قال ابن عباس رضي الله عنه: “من أنفق درهماً في غير حقه فهو سرف”.

والإسراف كسلوك للبعض في مجتمعاتنا صوره متعددة، تشمل الأفراد، والأسر، والهيئات والمؤسسات، بل والحكومات. فنجد الواحد قد انفق راتبه، في أسبوع ويبقى طوال الشهر يسأل الناس أن يقرضوه، مما يعرضه لمواقف نفسية مؤلمة هو في غنى عنها، أو أن تقبل أسرة على التزام اجتماعي أكبر من إمكانياتها، مما يعرضها للاستدانة أو الدخول في دوامة التقسيط نظير ما حصلت عليه من سلع وخدمات لفترات طويلة، ويؤثر ذلك بالطبع على أمور أساسية كان ينبغي أن تكون لها الأولوية في نفقاتها.

ولا يعنى ذلك أن يحيى الفرد أو الأسرة بعيداً عن الترفيه، فهذا غير واقعي ولا يناسب النفس البشرية، ولكن المطلوب أن يمارس الترفيه في الحدود المقبولة كماً وكيفاً، بما يتناسب وإمكانيات الفرد والأسرة، وذلك في مجالات المأكل والمشرب والملبس، وأثاثات البيوت، والترويح عن النفس، أو في المناسبات الاجتماعية كالأفراح، أو الاحتفال بالنجاح وأعياد الميلاد، أو رحلات المصاريف… الخ. ومن فضل الله أن كل هذه الصور متاحة لمختلف المستويات والدخول، ويبقى أمام المستفيد منها أن يعتدل ولا يسرف.

أسباب الإسراف

• البعد عن صحيح الدين، أو الفهم الخاطئ للتدين. والمقصود هنا أن جوهر التدين هو الاعتدال والوسطية، وذلك كله يصب في محاربة الإسراف، فليس من التدين أو معرفة تعاليم الدين أن يبدد الإنسان موارده، أو يستهلك فوق حاجته، أو ينفق فيما لا ينبغي وإن كان حلالاً.

• التنشئة الخاطئة في الأسرة،أو وجود نموذج سيئ للقدوة في المدرسة أو الشارع أو النادي أو وسائل الإعلام،مما يجعل الإسراف نوع من الاعتياد السلوكي أو جعله مكون أصيل في شخصية الفرد وثقافته.

• عدم الإدراك بطبيعة الحياة،وأنها ليست على وتيرة واحدة،وأن الإنسان له فترات ضعف وقدرة على الكسب تختلف بمرور الوقت والعمر، فمرحلة الشباب غير مرحلة الرجولة والكهولة،ثم الشيخوخة،أو فترات العزوبية غير مرحلة المسئولية الأسرية.ومن هنا لو علم الفرد هذه الأمور لأدراك أن الإسراف سيؤدى به إلى سوء العاقبة.

• الصحبة السيئة. قد يبتلى الفرد أو يسعى لمصاحبة مسرفين، فيدفعونه إلى هذا السلوك السئ، وكما قال صلى الله عليه وسلم”المرءُ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”

• تبدل الأحوال المعيشية للأفضل،قد يكون هذا أحد أبواب الإسراف،إذ يشعر الفرد بنوع من الحرمان يدفعه لسوء التصرف،وممارسة سلوك مسرف.

• حب الظهور والسعي لتقليد الآخرين.

ا لآثار السلبية للإسراف

1. تبديد الموارد، وهى آفة تعمل على إفقار الفرد والمجتمع على الأجل المتوسط والبعيد، فضلاً عن الفرصة البديلة لما أنفق في الإسراف، إذ كان البديل توجيه الإنفاق لمجالات تعانى من عجز، أو مدخرات توظف في الاستثمار، مما ينفع آخرين هم في حاجة إليه.

2. التعود على الإسراف، يبرر اللجوء إلى أبواب غير مشروعة ومحرمة للكسب، مثل السرقة أو الرشوة، أو تنازل الأسرة أو المجتمع عن مبادئها أو قيمها، فقد تقبل فتاة أو شاب الارتباط بمشروع زواج لا يناسب أي منهما، من أجل أن يلبى له رغبته في سلوكه السلبي من الإسراف. كما قد تحدث نفس الصورة في سلوك دولة، أو مؤسسة.

3. عدم الرعاية والاهتمام بالآخرين: ذلك أن الإنسان لا يراعي الآخرين ولا يهتم بهم غالباً، إلا إذا أضناه التعب وغصته الحاجة، كما أثر عن يوسف عليه السلام لما سُئل: لا نراك تشبع أبداً؟ قال: أخاف أن شبعت أن أنسى الجياع، والمسرف قد تتاح له النعم من كل جانب، فأنى له أن يفكر أو يهتم بالآخرين.

كيف نبتعد عن الإسراف؟

• أن يعي الفرد ،أو الأسرة،أو المؤسسة،أن الإسراف ليس سلوك حضاري بل هو سمة من سمات التخلف.

• بلا شك، أن الخلفية الدينية السليمة،والتربية التي نشئ عليها الفرد،تجعل منه إنسان حسن السلوك الاستهلاكي و الإنفاقي، فلا إسراف ولا تقتير. وأن يتذكر الإنسان عقاب الله في الآخرة

• أن يستحضر الإنسان التزاماته الأسرية، وتوفير متطلبات من يعولهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذا المعنى” كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول”

• أن يجعل لنفسه هدف طويل الأجل لتوظيف موارده المادية، وأن يجعل كذلك لنفسه عدة أهداف مرحلية أو قصيرة الأجل،بما يساعده على توظيف ما لديه أو ما يستجد من إضافة جديدة في دخله في هذه الأهداف.

• أن يجعل من دخله بصفة دورية قسط للادخار، مهما كان دخله بسيط، فالادخار سلوك حضاري.

• أن يعمل على تنمية من حوله، خاصة الفقراء والضعفاء، وذوى الحاجات.

• أن يحسن اختيار أصدقاءه الذين يعينونه على البعد عن الإسراف.

يبقى القول بأن المسرف يظن أو يحسب أن المجتمع ينظر إليه بإعجاب،والحقيقة غير ذلك، فالعقلاء يرونه سفيهاً، ولا يحبون أن يكونوا على شاكلته، بينما قد يخدعه من هم على دربه. وفى فترات الشيخوخة،أو نفاد المال ونضوب مصادره يعض المسرف على يديه، وقت لا ينفع الندم، ولا يجد حوله من أصدقاء الإسراف إلا من هم في هيئته نادمين، ينتظرون مساعدات الآخرين، أو على الأقل يعيشون في مستوى من الإنفاق والاستهلاك أقل من المتوسط، وكان بإمكانهم أن يكونوا أحسن حالاً لو أنهم قدموا لأنفسهم.

 

One response to “من الإسراف للتوسط..خطوات جريئة

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: