RSS

السعودية.. احذر فخ التقسيط

09 أبريل

أحمد المصري**

pic01

التقسيط طال كل السلع بالسعودية
تنامت ثقافة الشراء بالتقسيط في المجتمع السعودي في الآونة الأخيرة بدرجة كبيرة، فلم يعد التقسيط سلوكا مقصورا على شراء السلع الضرورية، بل امتد لتمويل الإنفاق على الخدمات الترفيهية وتغطية الكثير من السلع والخدمات الكمالية، الأمر الذي ساهم وبشكل مباشر في تزايد النزعة الاستهلاكية بالمجتمع، إضافة إلى تنامي حجم المديونيات الفردية لصالح البنوك وشركات التقسيط.
ووفقا لتقرير نشرته جريدة الوطن إبريل 2005 فإن حجم سوق التقسيط بالمملكة يتراوح بين 50 إلى 55 مليار ريال سعودي (الدولار = 3.75 ريال(.
وبين د.زيد الرماني الخبير الاقتصادي السعودي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في تصريحات لشبكة إسلام أون لاين.نت أن هناك عددا من الأسباب أدت إلى انتشار ثقافة التقسيط داخل المجتمع السعودي، من بينها: طبيعة المجتمع السعودي الراغب في شراء كل حديث في السوق، حيث يحاول شراء أي شيء جديد يرد في السوق مهما كلفه ذلك.
هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الزواج -ولا سيما المهور- التي تشكل أهم الأسباب التي تدفع الشباب للجوء للتقسيط لتدبير المبالغ المطلوبة للزواج وتأثيث منزل الزوجية.
كما أن هناك فئات من المجتمع تلجأ للتقسيط لمجرد سهولة وملاءمة الشروط التعاقدية، فقد كشفت دراسة أعدها مركز البحوث والدراسات بغرفة تجارة الرياض في إبريل 2006 أن نحو 17 بالمائة من المستهلكين السعوديين يشترون بالتقسيط بسبب سهولة وملاءمة الشروط التعاقدية بدون وجود حاجة ماسة لهذه السلع، وهو ما يؤدي غالبا إلى تعميق النزعة الاستهلاكية لدى أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق أظهرت دراسة ميدانية أجريت في الرياض بعنوان: “التوجهات الاستهلاكية للأسر السعودية” أعدها مركز البحوث والدراسات بالغرفة ونشرت في مارس 2006، أن ما يزيد عن نسبة 80٪ من الأسر السعودية تنفق أكثر من 80٪ من إجمالي دخلها الشهري، و 11٪ تنفق دخلها بالكامل، وأن 20٪ من الأسر تتعامل بالعجز بشكل صريح، حيث إنها تنفق ما يزيد عن نحو 100٪ من إجمالي الدخل بشكل شهري، معتمدة على أسلوب الاقتراض أو الاستدانة لتغطية هذا العجز.
وهذه النسبة الأخيرة هي غالبا من الفقراء، وإن كانت الدراسة لم تشر إلى ذلك صراحة، ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة عن الفقر بالمملكة فإن هناك دراسة عن الفقر بالمملكة صدرت في عام 2005 للدكتور راشد بن سعد الباز أستاذ الخدمة الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، رصدت عددا من المؤشرات تدل على أن مشكلة الفقر بالمملكة كبيرة، وأشارت الدراسة إلى أن خط الفقر للمواطن السعودي يبلغ 1120 ريالا بالشهر -بدون تكلفة أجرة المنزل- في حين يبلغ خط الكفاف 1660 ريالا.
مع العلم بأن متوسط الأجرة السنوية لشقة صغيرة مقبولة للسكنى في أي مدينة في المملكة لن يقل عن 6500 ريال للفرد، و10500 ريال للأسرة المكونة من فردين، و11 ألف ريال بالنسبة لثلاثة أفراد، و12 ألف ريال للأسرة المكونة من أربعة أفراد أو أكثر.
وتشير الدراسة إلى أن مبلغ خط الفقر غير كاف لشراء المواد الاستهلاكية الضرورية ولدفع قيمة الخدمات من كهرباء وماء وهاتف ومصاريف دراسية وغيرها، وهو الأمر الذي قد يضطر البعض للجوء للتقسيط.
التقسيط للجميع
ولكن دراسة أعدها مركز البحوث والدراسات بغرفة تجارة الرياض أكدت أن الشراء بالتقسيط لم يعد مقصورا على المستهلكين من الفئات الفقيرة والمتوسطة؛ بل أصبح شيئا عاديا ومتعارفا عليه بين جميع فئات المجتمع بما فيها الفئات الغنية، وخصوصا من يزيد مستوى دخلهم على 8000 ريال شهريا، ولكن هناك اختلافات واسعة بين هذه الفئات مرتفعة الدخل في نوعيات السلع المشتراة بالتقسيط.
ووفقا للدراسة فإن التقسيط بالسعودية يعد من الأسواق التي تعالج مشكلة اقتصادية عميقة تتمثل في استيعاب الفجوة التي قد تحدث ما بين تحركات معدلات التضخم ومستويات الدخول، مشيرة إلى أن الشراء بالتقسيط يمكّن نسبة تقدر بما يزيد على 40% من المجتمع السعودي من مواجهة الزيادة في مستويات الأسعار عن طريق اللجوء إلى التقسيط.
ووفقا لتقرير نشرته جريدة الاقتصادية مؤخرا فإن حجم التغيرات الاجتماعية جعل الأفراد أكثر اعتمادا على القروض البنكية وبطاقات الائتمان والتقسيط في تأمين احتياجاتهم المباشرة بإمكاناتهم الآجلة، مما رفع نسبة التقسيط خلال السنوات الأخيرة إلى 400%، وأصبحت الأقساط تلتهم أكثر من 50% من رواتب 80% من العاملين، كما زادت القروض الشخصية أو الاستهلاكية لتصل في العام الماضي إلى 168.8 مليار ريال، تمثل قروض السيارات منها ثلاثة أضعاف قروض العقار، وهو ما قد يفسر السبب في أن 80% من السجناء المعسرين متورطون في ديون معارض السيارات.
العقار والسيارات أهم القطاعات
وفي هذا السياق يوضح حاتم محمد – أحد العاملين في شركة تقسيط بالرياض- أن أهم القطاعات التي يتركز فيها البيع بالتقسيط هي العقارات والسيارات، حيث تحتلان النسبة الكبرى في عمليات الإقراض في سوق التقسيط السعودي.
وأشار حاتم إلى أن عددا كبيرا من رجال الأعمال يعزفون عن الاستثمار في شركات تقسيط الأثاث والأجهزة الكهربائية، نتيجة لعدم وجود ضمانات كافية تحفظ حقوق المستثمرين، وزيادة أعداد المتعثرين في سداده، مبينا في هذا الصدد أن نحو 25% من القضايا المنظورة في المحاكم بسبب التعثر في السداد.
لذا صدر نظام البيع بالتقسيط ولائحته التنفيذية وفقا للمرسوم الملكي رقم م/ 13 بتاريخ 4-3-1426هـ لتنظيم معاملات سوق التقسيط خوفا من تفاقم إشكالياته واحتمالات ارتفاع مديونيات الأفراد وزيادة تكلفتها من جانب، ثم محاولة غلق مساحات زيادة صرف الأفراد .

pic01a

الحسرة والندامة نتيجة طبيعية لخداع التقسيط

خداع العمولة

لكن وفقا لدراسة غرفة تجارة الرياض فإن النظام الجديد للبيع بالتقسيط يعاني من ثغرات، ولعل أبرزها أنه لم يراع خداع العمولة، وهو ما يضر بالمستهلك الذي يلجأ للتقسيط.
وعن ماهية خداع العمولة بيّن د.زيد الرماني الخبير الاقتصادي السعودي أن خداع العمولة ينجم عن قيام منشآت التقسيط بفرض نسب عمولة على كامل المبلغ طوال مدة التقسيط، في الوقت الذي يفترض أن يكون مبلغ العمولة متناقصا من عام لآخر نتيجة لسداد المشتري ما عليه من أقساط مستحقة وبصورة منتظمة.
واستطرد قائلا: حين يسأل المستهلك أحد العاملين في مجال التقسيط عن نسبة العمولة يأتي الجواب بكل حنان وصدق: (نحن نأخذ 10% فقط؟!)، ومن ثم لا يملك المستهلك إلا الدعاء لشركات التقسيط التي يسّرت للمحتاجين هذه المبالغ التي لا جور فيها ولا إجحاف، ولكن يبقى الظاهر غير الباطن، والقول غير الفعل، والنسبة المعلنة غير الحقيقية.
وتابع د.الرماني: فمثلا حين يريد المستهلك قرضا قدره 90 ألف ريال من إحدى شركات التقسيط، وقد قيل له: إن نسبة العمولة 10% في السنة، والسداد على 3 سنوات، فيوافق على ذلك، وتبدأ نسبة الحساب كالتالي:
10% بالنسبة للقرض تساوي 9 آلاف في العام، ثم نضرب التسعة آلاف في 3 سنوات ليكون المجموع 27 ألف ريال.
وبين الخبير الاقتصادي السعودي أن هذا هو مكمن الخطأ والوقيعة في الفخ؛ لأن السنة الأولى يفترض عمولتها فعلا 9 آلاف، أما العمولة في السنة الثانية فيجب أن تكون 6 آلاف لأن المبلغ تم تسديد ثلثه، ثم تنخفض في السنة الثالثة إلى 3 آلاف، ومن ثم تصبح العمولة 18 ألفا وليس 27 ألفا.
حرق السلع
ونتيجة التعثر في السداد وتراكم الديون على من يلجأ للتقسيط ظهرت في السعودية شركات لشراء الدين، حيث تتولى شراء الديون المتعثرة على الأشخاص وسدادها عنهم، ومن ثم تقسيطها على المدين بفوائد جديدة قد تصل إلى 300%، بما يعني تضاعف الثمن الأصلي للسلعة التي تم شراؤها بالتقسيط عدة مرات.
كذلك ظهرت نتيجة انتشار التقسيط ظاهرة “حرق السلع”، حيث يقوم بعض المواطنين بشراء السلعة بالتقسيط ثم بيعها نقدا بسعر يقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية، وهي ظاهرة يطلق عليها “حرق السلع”.
وأشارت الدراسة الاقتصادية التي أعدتها الغرفة التجارية بالرياض إلى أن هذا يعد أحد عيوب التقسيط، وأرجعت ذلك إلى أن بعض الأفراد قد يستغل نظام التعامل بالتقسيط ليس بهدف اقتناء السلعة والانتفاع بها، وإنما لإعادة بيعها مرة أخرى بشكل فوري ونقدي لتوفير السيولة النقدية؛ مما يجعل التعامل بالتقسيط بمثابة قناة غير مباشرة للاقتراض الشخصي.
وأشارت الدراسة إلى أن جهات التقسيط العاملة في المملكة تتمثل بشكل رئيسي في منشآت تمويل التعامل بالتقسيط ومنشآت تقسيط السيارات، يليها البنوك، ثم منشآت تأجير السيارات والعقارات.
وإلى جانب البنوك والشركات التي تمارس نظام البيع بالتقسيط على سبيل الاحتراف انتشرت أنواع أخرى للتقسيط داخل القرى، فهناك عدد من ميسوري الحال داخل القرية يشتهرون بتخصصهم في البيع بالتقسيط، وما على الراغب في الشراء إلا أن يذهب لأحد هؤلاء، ثم يبلغه برغبته في السلعة التي يريد شراءها، والسلع هنا قد تكون تقاوي أو معدات زراعة أو سيارات، ثم يتفق الطرفان على ثمن السلعة وطريقة السداد وحجم الأقساط، على أن تكون السلعة -لو سيارة مثلا- في ملكية الطرف الأول إلى أن يتم الانتهاء من سداد الأقساط، وذلك بالاتفاق والتراضي بينهم.
سلاح ذو حدين
وفي استطلاع أجرته إسلام أون لاين.نت لآراء عدد من المستهلكين قال سعد المطيري بأن: التقسيط أمر ضروري في ظل الفجوة الكبيرة بين متطلبات الأسرة ودخلها، ولكن المهم عدم اللجوء إليه إلا للضرورة؛ لأنه في الغالب يلتهم الدخل؛ وهو ما يؤدي إلى اعتماد البعض على الاستدانة بشكل دائم، وذلك من أكبر مشكلات ذوي الدخل المحدود الذين يقعون في فخ التقسيط.
وبيّن سعد أن تجربته مع التقسيط كانت جيدة، فقد قام بشراء سيارة بالتقسيط على أربع سنوات، إضافة إلى إنشاء وحدة سكنية أيضا عن طريق التقسيط من أحد البنوك.
ومن جهته يرى محمد العنزي أن التقسيط هو الملجأ الوحيد للعائلات الفقيرة للحصول على متطلباتها، مشيرا إلى أنه قام بشراء ثلاجة تم تقسيط ثمنها على سنتين، ولم يكن بمقدوره شراؤها نقدا.
إلا أن محمد العويس يرى أن التقسيط وحش يلتهم الدخل، مشيرا إلى أنه حينما ذهب ليشتري سيارة بالتقسيط وجد ثمنها نقدا 50 ألف ريال، وبالتقسيط لثلاث سنوات يصبح 67 ألف ريال، أي بزيادة 17 ألف ريال (نحو 33% من ثمن السيارة).
حماية المستهلك من نفسه
وخلاصة القول أن التقسيط سلاح ذو حدين، فقد يكون مفيدا إذا ما تم التعامل معه بعقلانية واعتدال لسد الثغرات الاستهلاكية والمعيشية الضرورية، وعكس ذلك يصبح عدوا رابضا إذا ما أسرف فيه الناس ليطول كل شيء.
ولكن يظل هناك عدد من المقترحات لتحقيق الاستفادة القصوى من التقسيط، منها إنشاء مراكز معلومات هدفها التنسيق بين شركات التقسيط لحماية المستهلك من نفسه، حيث تساعد هذه المراكز على كشف موقف المستدين، وتبين ما عليه من التزامات لجهات أخرى، حتى لا يتم إعطاؤه ما لا يستطيع سداده.
كذلك دعت دراسة أعدتها الغرفة التجارية بالرياض المستهلكين إلى اتباع سياسات ترشيد واعية في الإنفاق، مشيرة إلى أن نظام البيع بالتقسيط يدعم توجهات الأفراد نحو الادخار الإجباري إذا تم استخدامه بشكل رشيد، لا سيما في السلع المعمرة مثل العقارات والسيارات، كما أنه يعتبر وسيلة مفيدة لتحفيز الطلب، خاصة في الفترات التي يزداد فيها الكساد وتتراكم فيها السلع.
وفي السياق نفسه حذر د.زيد الرماني من الإسراف في الاستهلاك نتيجة سهولة التقسيط قائلا: إن بعض المستهلكين يفرح بشراء الجديد بالتقسيط وينسى أنه سيدفع ثمن هذه الفرحة باهظا إذا لم يستطع التسديد، ولن تشفع له إغراءات الإعلان وتشويق الدعاية، مشيرا إلى أن التقسيط تحول من حل لمشكلة الحصول على منزل أو سيارة أو زواج إلى دهاليز الترف وحب التباهي والتفاخر، وكانت النتيجة مطالبات قضائية وإفلاسا وديونا متراكمة.
________________________________________
** كاتب المقال صحفي مصري مقيم بالسعودية

المصدر

 

اضف تعليقك هنا:

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: